الشيخ الطبرسي

11

تفسير مجمع البيان

فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله ، في السر والعلانية ، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ، ويعظم له أجرا . ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما ، وإن تقوى الله توقي مقته ، وتوقي عقوبته ، وتوقي سخطه ، وإن تقوى الله تبيض الوجوه ، وترضي الرب ، وترفع الدرجة . خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله ، فقد علمكم الله كتابه ، ونهج لكم سبيله ، ليعلم الذين صدقوا ، ويعلم الكاذبين . فأحسنوا كما أحسن الله إليكم ، وعادوا أعداءه ، وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ، هو اجتباكم ، وسماكم المسلمين ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . فأكثروا ذكر الله ، واعملوا لما بعد اليوم ، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله ، يكفه الله ما بينه وبين الناس . ذلك بأن الله يقضي على الناس ، ولا يقضون عليه ، ويملك من الناس ، ولا يملكون منه . الله أكبر ، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " . فلهذا صارت الخطبة شرطا في انعقاد الجمعة . النزول : قال جابر بن عبد الله : أقبلت عير ، ونحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجمعة ، فانفض الناس إليها ، فما بقي غير اثني عشر جلا ، أنا فيهم . فنزلت الآية : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا ) . وقال الحسن ، وأبو مالك : أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر ، فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب يوم الجمعة . فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع ، خشية أن يسبقوا إليه ، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا رهط ، فنزلت الآية فقال : " والذي نفسي بيده ! لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد منكم لسال بكم الوادي نارا " . وقال المقاتلان : بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب يوم الجمعة ، إذ قدم دحية بن خليفة بن فروة الكلبي ، ثم أحد بني الخزرج ، ثم حد بني زيد بن مناة ، من الشام بتجارة . وكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق ، إلا أتته ، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق ، أو بر ، أو غيره ، فينزل عند أحجار الزيت ، وهو مكان في سوق المدينة ، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه ، فيخرج إليه الناس ليتبايعوا معه . فقدم ذات جمعة ، وكان ذلك قبل أن يسلم ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم على المنبر يخطب . فخرج الناس ، فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : " لولا هؤلاء لسومت عليهم الحجارة من السماء " وأنزل الله هذه الآية . وقيل : لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط ، عن الكلبي ، عن ابن عباس . وقيل :